الشكر والحمد: مفتاح السعادة ووعد المزيد
مدخل: سر العيش في النعيم
إن حياة الإنسان، منذ أن يفتح عينيه على الدنيا وحتى يغادرها، هي فيض متدفق من نعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى. الشكر هو الاستجابة الفطرية والواجب الشرعي لهذا الفيض العظيم. إنه ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو فلسفة حياة متكاملة تحوّل النعم الظاهرة والباطنة إلى رصيد لا ينفد من الرضا والسعادة.
لقد أمرنا الله بالشكر وجعله مقابلاً للكفر، وجعله سبباً لحفظ النعم وزيادتها، وهذا دليل على عظم مكانته وكونه جسراً دائماً للاتصال الإلهي.
الأمر الإلهي والوعد الأكيد
لقد ورد الأمر بالشكر مقروناً بأمر عظيم آخر، وهو الذكر. فالشكر هو إقرار من القلب بأن كل ما لدينا هو من فضل الله وكرمه. وقد ربط الله الشكر بالزيادة، والكفر بزوال النعم والعذاب الشديد، لبيان الفرق الشاسع بين الطريقين.
قال تعالى في محكم التنزيل: "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ".
— سورة إبراهيم: 7هذا الوعد الإلهي المطلق يشمل الزيادة في المال والصحة والبركة في الوقت والسكينة في القلب. كلما ازداد العبد شكراً، فتح الله عليه أبواباً جديدة من فضله لم يكن ليخطر له على بال.
مراتب الشكر الثلاثة
الشكر الحقيقي لا يكتمل إلا إذا شمل الإنسان كله، فكان عملاً للقلب واللسان والجوارح، وهي مراتب متكاملة:
- شكر القلب (الإقرار): وهو أعلى مراتب الشكر. يعني أن يعترف القلب ويوقن بأن كل نعمة فيه أو حوله، صغيرة كانت أو كبيرة، هي من الله وحده، لا بشطارة منه ولا بذكاء.
- شكر اللسان (الثناء): وهو أن يعبّر العبد عن امتنانه من خلال الأذكار والتسبيح والحمد. كقوله: "الحمد لله"، "اللهم لك الحمد والشكر"، وغيرها من صيغ الثناء الجميلة.
- شكر الجوارح (العمل): وهو أن يستخدم العبد النعمة فيما يرضي المنعم. فشكر نعمة المال يكون بالصدقة، وشكر نعمة الصحة يكون بالصيام وخدمة الناس، وشكر نعمة العلم يكون بنشره.
حصاد الشكر في الدنيا
الشكر ليس مجرد فريضة، بل هو علاج لأمراض القلوب الحديثة، فله أثر مباشر على جودة حياة الإنسان:
- الرضا المطلق: الشاكر لا يلتفت إلى ما فاته، بل ينظر إلى ما بين يديه، فيعيش في حالة رضا تام.
- القوة عند البلاء: عندما تقع المصيبة، يتذكر الشاكر نعمة الإيمان ونعمة الصبر، فيقول: "الحمد لله على كل حال"، فيتحول البلاء إلى منحة.
- طرد اليأس والقنوط: الشكر يركز على الجانب المشرق، مما يطرد الأفكار السلبية واليأس من القلب.
اجعلوا حياتكم كلها شكراً وحمداً، فإذا رأيتم النعمة فاشكروها باللسان والعمل، وإذا غابت فاشكروا الله على ما أبقى. تذكروا أن مفتاح المزيد هو الشكر، ومفتاح حفظ الموجود هو الشكر.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك